رانيا مصطفي وأزمة الاخوان

السبت 13 نوفمبر 2021 - 08:50 مساءً
أزمة جماعة الاخوان؟
____
طوال تاريخ جماعة الإخوان المسلمين، إذا ما توازت الرؤى والأهداف بشكل لا يبشر بوصول أبنائها إلى نقاط تقاطع يحدث الفراق، إما بإقالة أو باستقالة. في كل مرة كانت الجماعة تبتلع توابع زلازلها؛ فما الذي حدث؟

إن الحماس الذي ولدته ثورة يناير عظم الخلاف داخل الجماعة حول ماهية مسارها أملًا في اقتناص اللحظة الفارقة؛ ظهر ذلك في محطات النزول لميدان التحرير، والانتخابات الرئاسية، والدعوة لاتباع منهج السلمية بعد الانقلاب.

تعد الانقسامات الصغيرة التي تحدث داخل الجماعة وتفرز كيانات جديدة أمرًا صحيًا يثري الحياة السياسية ويجدد المحتوى الفكري ويدفع بوجوه جديدة لتولي القيادة وتحقيق أهدافها بعيدًا عن حاضنتها الأولى. استطاع أبو العلا ماضي وعصام سلطان، وعبد المنعم أبو الفتوح وبعض قيادات الجماعة الإسلامية شق طريقهم نحو ما اعتقدوا أنه الأصلح، واكتسبوا شعبية تنامت مع الوقت حتى أصبح كل منهم يمثل اتجاهًا مؤثرًا.

بُذرت الأزمة عندما جذب حازم أبو اسماعيل – غير الإخواني وابن أحد أكابر الخوان – مؤيدين له من جماعتي الإخوان والسلفيين معتمدًا على قواعدهما في بلوغ أهداف بعيدة في وقت قصير، غير مشكل لحزب أو حركة. بالرغم من مناداته بطاعته، كان حازم أول من هاجم مرسي وجماعته إعلاميًا وبشراسة، ورسخ لفكرة ضياع الثورة على أيديهم لعدم استجابتهم لرؤيته التي تبنتها – ومازالت – شبكات إعلامية عالية الكفاءة وواسعة الانتشار، وكأنه كان مرشحها الأول.

تلاقى فكر المعارضين الإخوان بتوجه مؤيدي أبو اسماعيل وكل منشق عن الجماعة ووصل إلى مستوى تطابق مدهش مع رافضي المشاركة السياسية للإسلاميين من العلمانيين، بل مع النظام الانقلابي ذاته! فنسبوا جميعًا الفشل إلى مرسي، وطالبوا بإجراء مراجعات تُبعد الجماعة عن المشهد السياسي، ودعوا الإخوان للعودة للعمل الدعوي، ولعنوا السلمية، وعقدوا مقارنات بين ثورتهم وثورات وانقلابات عالمية بإغفال عجيب لعناصر الاختلاف، وأدانوا قيادات الجماعة بخيانة ملف المعتقلين، ونظرًا لأن أغلب قياداتها التاريخية تقبع في السجون وتحظى بتعاطف كبير، فقد انصب جام غضبهم على من بقي منهم بالخارج.

بدأ أول طفو للصراع الداخلي عندما خالف القيادي محمد كمال قرارات شورى الإخوان بالسلمية فأعفاه المجلس من مهامه، وهكذا انشق فريق داعم لكمال يحمل مزيجا من أفكار كل من غادروا الجماعة، وشكل جبهة تحمل اسم «المكتب العام» قامت بمحاولة انقلاب على القيادات، لكنها لم تنجح، فاتجهت للهجوم الضاري عليها واتهامها على صفحات مواقع التواصل عبر كتابة مقالات ومنشورات وتسريب مقاطع صوتية مجتزأة عن مخالفات لائحية واختلاسات مالية، وإهمال لأحوال الفارين من جحيم مصر إلى السودان وتركيا؛ يستخدم هذا الأسلوب عادة لحشد الرأي العام للضغط على الآخر عبر تشويهه لإحراز هدف في مرماه.

لم يقدم المعارضون من داخل الجماعة أو خارجها تصورًا متكاملًا لخطوات واقعية كانت يمكن أن تحول دون وقوع الانقلاب، أو تتصدى له، أو تحل أزمة المعتقلين، أو براهين تثبت الفساد المالي والتقصير في حقوق الفارين، واستهلكوا ثماني سنوات في إثارة عواصف حول قياداتهم لو كانوا استثمروها في بناء جماعة منفصلة لكان أنفع. يرغب المعارضون في تجديد الخطاب الإخواني الذي من شأنه أن يجري تعديلات في أساسات الجماعة، لكنهم يخشون إعلان ذلك ويكتفون بالجهر برفضهم للقيادات.

عقلًا، لا أتصور أن شخصيات صعدت لمستوى قيادة جماعة بهذه الضخامة خدعوا كل العقول النيرة فيها! كما أنه لا يتصور أن يسلمهم الكبار الذين سجنوا زمامها وهم يشكون في ذممهم المالية وقدراتهم الإدارية في ظروف دقيقة كالتي تمر بها الجماعة!

خلط الإعلام عمدًا بين أزمة انتخابات تركيا كأحد مكونات رابطة الإخوان بالخارج، وبين رفض بعض أعضاء الجماعة لخط سيرها، ليترك انطباعًا كاذبًا بأنها على وشك السقوط، والمشكلة الحقيقية تكمن في محاولة الإضرار بطابعها المؤسسي، وخاصة أن الأمر قد وصل لتعطيل مجلس شوراها.

شكل شورى الجماعة لجنة ثلاثية لمتابعة انتخابات تركيا، كلف إبراهيم منير القائم بأعمال نائب المرشد مسئولًا تنفيذيًا لإدارة الانتخابات. تخطى منير الشورى واتخذ قرارًا فرديًا رجح به كفة النتيجة لصالح فريق من المرشحين، وأعلن النتيجة دون تحقيق في الطعون، ثم شكل مكتبًا إداريًا جديدًا، لذا تدخلت الرابطة، وأعلنت عدم اعتماد النتيجة، وعدم الاعتراف بالمكتب الجديد لبطلان الانتخابات، هنا قام أعضاء المكتب الشرعي برفض تسليم الملفات امتثالًا لقرار الرابطة، فقام منير بإيقاف ستة من أعضاء الشورى العام.

أصدر الشورى بيانًا يؤكد فيه أن عدده يسمح بالانعقاد، لكن يتعذر عليه إعلان هوية المشاركين نظرًا للظروف الأمنية. كان المجلس – وهو صاحب القرارات منذ 2013 – قد استقر على أن النصاب يكون من إجمالي العدد المتاح، وليس من إجمالي العدد الكلي، وهو من عين إبراهيم منير، وهو من يحق له إنهاء تكليفه، وهكذا انعقد وصوت بنسبة 84% بالموافقة على إعفائه من منصبه.

تابعت تفاصيل أخرى تدحض كل ما ذكرت، فما الذي يجعلني أميل لفريق شورى الجماعة ممثلًا في قيادة محمود حسين؟

بدا لي من خلال حوارات منير أنه كان رافضًا لمشاركة إخوان مصر في الثورة والانتخابات، وأن محمود عزت كان هو الرابط بين الداخل والخارج ولم يكن لمنير التدخل فيما يخص جماعة مصر إلا من بعد القبض عليه، وأن قراراته الأخيرة وإشاراته لأخطاء ارتكبها إخوانه أثناء قيادتهم بالخارج جاءت نتيجة لتبنيه رؤية مختلفة لمسار الجماعة.

يعتبر محمود حسين الأمين العام عضو مكتب الإرشاد الوحيد المتبقي من مصر خارج المعتقلات، وبذلك يصبح قرار منير بإلغاء منصبه واستبدال الأمانة العامة بلجنة معاونة يديرها ويشارك في عضويتها حسين خطوة مثيرة للتساؤل!


إن الأمر يبدو وكأن هناك قوةً ضاغطةً تريد أن تمحو كل أثر للجماعة الأم ذات الثقل في مصر، وخاصة أن حجم الهجوم الاعلامي على محمود حسين ومن معه لا يقاربه إلا حجم الهجوم على مرسي رحمه الله!

بكل حسن الظن أتفهم نوايا منير، لكن طيب سريرته لا تجيز له الانقلاب على التسلسل الإداري لجماعته. إن لم شمل الجماعة لا يتم قهرًا، وإن المنقلب لن يفلت رهائن تهدد ملكه، وإن إعلان العودة للعمل الدعوي يترجم سياسيًا كإقرار بارتكاب الجماعة ما نسب إليها من جرائم إرهاب.

إن الأزمة الداخلية في جماعة الإخوان هي استمرار لما بدأه الانقلاب في مصر من حشد إعلامي رسخ لخيانة الإخوان للثوار، وتهافتهم على السلطة، وفشل رئيس منهم، وفساد قيادتهم، ليصل بالرأي العام إلى الإقرار بأن التيار الإسلامي برمته لا يجب أن يخرج من بيته.

إن من يحقق بدقة في الاتهامات التي وجهت للجماعة وقياداتها لابد أن يشك فيما يساق إليه من أخبار! عندما تتاح المنصات الإعلامية لأصوات ووجوه وعقول تحمل فكرًا يسير كله في اتجاه مشترك، وعندما تجتمع وكالات الأنباء على حبر قلم واحد، فاعلم أنك تتعرض لعملية «غسيل دماغ

تعليق الفيس بوك