رنيا مصطفي ردا على مقال البرادعي: حانت وطارت

الجمعة 26 فبراير 2021 - 03:27 مساءً
ردا على مقال البرادعي: حانت وطارت.
قرأت مقال الدكتور محمد البرادعي " هل حانت لحظة التغيير في العالم العربي؟"، بدا لي المقال لوهلة وكأنه مترجم، وزادت من شعوري هذا لهجة الكاتب الفوقية أثناء تقمصه دور الواعظ الذي خرج غضبانا من قوم لا يفقهون ليسكن مدينة فاضلة يبث منها إليهم حكمه وخبراته. يذكرني السيد البرادعي بانبهار المبتعثين بأضواء فرنسا في عهد محمد علي،وبسخطهم على مسقط  رأسهم الطيني الأسمر.
حاول البرادعي أن يضع دستور مصر ثورة يناير قبل أن تنتخب ممثلين عنها ففشل، وكذا لم يفلح في ذلك بعد الانقلاب؛ وهو اليوم يقدم رؤيته لهوية المنطقة الاسلامية والعربية كلها كمادة أساسية في دستور حارب ومازال من أجل إرسائه. ينحت البرادعي على طريقة أطباء التجميل هوية متعددة الأبعاد تقلل من الاختلافات وتبرز القواسم المشتركة لتناسب مقياس الجمال الذي يحبذه، ويبدو أنه لا يعترف بمسألة أن لكل أمة في العالم جمالها الخاص.
لا تكمن مشكلة البرادعي في وصفه علاجا للقلب لمريض جهاز هضمي، أو رغبته في تركيب موتور سيارة ريليانت روبن مكان موتور رولز رويس فقط، بل لأن هويته المقترحة لا تعبر عن قناعاته، فهومن ضخم الاختلافات ونسف القواسم المشتركة حينما رفض حضور جلسات حوار وطني ختم رئيس مصر الشرعي المنتخب محمد مرسي على نتائجها مقدما بالموافقة، وانقلب على مبادئه، واصطف مع نظام مخلوع،. 
يشخص البرادعي بشوفينية أنيقة حالة العرب،كمضطربين،عديمي اليقين بشأن هويتهم، بسبب تمسكهم بأصولهم العرقية،والثقافية،والدينية، ما أدى إلى تآكل تماسكهم المجتمعي وتشرذمهم! وكأن أمما أوروبية وأمريكية وروسية قد تخلت عن كل ذلك لتنعم بالترابط! إن هذه الأمم ما نجحت في الاحتفاظ بقوامها إلا بالتشبث بما تبقى لها من أصول. 
للعرب والمسلمين تراث وفائض ثقافي وديني وقيمي معتبر، أسسوا به دساتير عقدية تقر الحرية والمشاركة وقبول الآخر والحفاظ على حقوقه وحمايته؛ وتجعل من يخالفها مجرما ليس في نظر القانون فقط، بل أمام الله. إن الرادع العقدي يكون طوق النجاة وقت الهرج، وانظروا ماذا يحدث لمدن في عمق العالم المتحضر يردعها القانون وحده إذا ما قطعت عنها الكهرباء لليلة واحدة. إن كل ما يحتاجه العرب والمسلمون هو أن يتحرروا من قيد حكام عملاء وأن يمتلكوا زمام أمرهم.
بطرحه هوية غير محددة، يصنع البرادعي من اللاهوية هوية جديدة؛ ويرى أن الهوية المحافظة على المبادئ والتاريخ تحمل بذورالانهيار، في حين أن عبث ديكتاتوريي جيش وفكر بحضارات الشعوب هو ما يؤدي لهلاكها. 
ذكر البرادعي الاتحاد الأوروبي كمثال للتجمعات السياسية والاقتصادية الكبيرة، وتجاهل أن القاسم المشترك بين دول الاتحاد هو مسيحية شعوبه، وتقارب لغاتهم، وعاداتهم، وثقافاتهم. يعظم علمانيو العالم العربي نموذج الخلافة الغربي وروابطه، بينما يلعنون الخلافة الاسلامية ويتجاهلون نجاحاتها،ويهدمون عناصر تلاحمها.
من المفارقات، أن مصر رزقت بحلقة وصل بين مسلمي الشعوب العربية والاسلامية، تمثلت في رئيس ينتمي لجماعة تحظى بشعبية جارفة على مستوى المنطقة، كان يخطط لصنع محور قوة بالاتحاد مع تركيا وإيران اللتين ذكرهما البرادعي في مقاله، لكن الدكتور رفضه ولم يهدأ حتى خلعه،وارتاح لتعليق رؤوس جماعته على أعواد المشانق!
يطلب البرادعي من الشعوب العربية أن تكف عن التستر على عيوبها أو إلقاء اللوم على الآخرين؛ وحقيقة، لا تكف تلك الشعوب عن الحط من قيمتها، وجلد ذاتها، بفضل نخب لا تكتفي برفضها العيش في جلباب أبيها، بل تسعى لخلعه عنه عنوة وحشره في سترة وخنقه بربطة عنق!
يشير البرادعي لأهمية الوصول لمرحلة الحوار العميق الرصين بمشاركة "النخب المثقفة المهمشة"؛ ذكرتني مسألة رصانة الحوارات هذه بعرض الرئيس مرسي عليه قبول منصب رئاسة الوزراء،فأجاب الدكتور بأنه غير مضطر للقبول لأن صداما قادما بين جماعة الرئيس والجيش سيجعل مصر تسقط بين يديه!
يقول البرادعي أن "المجتمع المدني"استبعد وقمع لفترات طويلة وأن به تكون الشعوب حاضرة في الحوار! وأذكر الدكتور أن المجتمع المدني سيطر بقوة في مصر 2011 في لجنة وضع دستور تقاسم العلمانيون والاسلاميون مقاعدها مناصفة، كما أن الشعوب حضرت بكثافة في خمس استحقاقات انتخابية،لكنه اختيارها لم يعجبه فسحقها.
يشير البرادعي إلى عدم قدرة دول المنطقة على التوصل لعقد اجتماعي ويدعي أن الخلط  بين الدين والأخلاق والقانون هو السبب في إثارة العديد من النزاعات؛ والواقع أن السبب كان رفض علمانية استبدادية تمسك المواطنين بهويتهم، وتكوينها جبهة انقاذ للاهوية مستهدفة. 
يرفض البرادعي في مقاله اعتماد نظام الأمن العربي الإقليمي على الخارج! والعجيب أنه لجأ لهذا الخارج من قبل لإفشال نظام انتخبه الشعب!
وكأنني أسمع السيسي، يخاطب البرادعي المجتمعات العربية وكأنها قبائل همجية ،قائلا: (علينا أن نتعلم العيش معا داخل وعبر الحدود كأمة واحدة تقبل التعدد وتحترم الأقليات)؛ إن أزمات هذه المجتمعات إنما تولدت بسبب عجزعالم يمجده الدكتور عن التعايش معها وليس العكس؛ ثم كيف يفترض أن تقبل الأمة النصيحة ممن رفض التعايش مع الفريق الفائز في معركة انتخابية، فانقلب عليه ومازال يعتبر انقلابه نقطة انطلاق نحو مستقبل مشرق! وكيف يقدم نفسه كخبير يُعلم وهو من قدم ثورة يناير على طبق من فضة لعسكرية فاشية؟
يصف البرادعي الحروب الدائرة في المنطقة بالعبثية؛ وكأن أهلها هم من اضرموها! ويعتبر أن سفك الدماء عار على ضمير العرب الجمعي، بالرغم من أن العار يلطخ فقط ثوب "نخب مثقفة مدنية" متواطئة اقترحت نخب الانقلاب وتجرعت مع أنظمة مجرمة كئوس الدم.
يختم البرادعي بدعوة لطيفة للجميع لحل الخلافات بالحوار والتعايش المشترك من خلال عملية إصلاح تدريجي وشامل؟! وأسأله، لماذا لم تكن هذه لغتك حين فاز محمد مرسي برئاسة مصر؟ ولماذا كان الانقلاب هو حلك الوحيد؟ 
في النهاية، أجيب عن تساؤل الدكتور الذي ورد في عنوان مقاله ولم يجب عنه: بلى حانت فرصة التغيير لأنظمة حكم الوطن العربي كله في يناير2011، لكنها طارت عندما وقفت على منصة الانقلاب على الشرعية الديمقراطية ، مغضيا الطرف عن طوفان دم قادم في يونيو2013.

تعليق الفيس بوك