"بندول" دولة ما بعد الاستعمار

الثلاثاء 23 فبراير 2021 - 08:30 مساءً
 "بندول" دولة ما بعد الاستعمار
ما الذي جعل "دولة يوليو" تستطيع "العودة" مرة أخرى بعد ثورة ديمقراطية الطابع والعمق؟ ما عاد هو قدرة العسكر على الانقضاض على الثورة عبر الدولة نفسها في أصفى وأشرس صورها وأكثرها بدائية. صحيح أن الثورة كانت، في جانب مهم منها، ضربة كبيرة لبنية "دولة يوليو"، ولكن، داخل الثورة أيضاً كان هناك توجه كبير لاستعادة هذه الدولة مرة أخرى، باعتبارها انحرفت عن مسارها بسبب السادات ومبارك: الرغبة بعودة المشروع الناصري مع بعض التصحيحات له، وكان حلم عودة الجيش المصري وتحرير قيادته العسكرية من هيمنة القيادة السياسية التي انحرفت به، هو  
ومع استقالة مبارك أو تنحيته، انتصرت الثورة في مصر في أولى معاركها، وربما كان ذلك آخر انتصار لها. انعتقت البلاد من مبارك ومن محاولة توريث الحكم لولده جمال، وكانت الميادين مفتوحة للجماهير، وعادت السياسة لمصر بمعناها الجاد الواسع، حيث أتيحت إمكانية التنظيم، سواء في حركات سياسية او اجتماعية. وأنطلق البعض لبناء أحزاب سياسية مختلفة الألوان، وكانت مصر على موعد مع عودة الديمقراطية بمفهومها الليبرالي، من خلال عودة السياسة على شكل "الديمقراطية التمثيلية". وعلى يسار هذا الموعد، انفجرت مصر بالمبادرات الشبابية والتحركات العمالية والنقابية ومحاولات مختلفة للتشبيك والتنظيم السياسي والاجتماعي، واحتلت النساء موقعاً جديداً في الصراع الاجتماعي والسياسي بفضل حضورهن الملحمي في أحداث الثورة نفسها، ثم مع الانطلاق لتدعيم وتعضيد المنظمات الحقوقية النسوية والمبادرات النسائية المختلفة.
عودة للجذور: دولة يوليو الأولى 
أخل هذا النصر بجانب كبير من هيكل ما يُعرف بدولة يوليو، أو دولة العسكر التي تأسست مع عبد الناصر والضباط الأحرار في 1952. دفعت الثورة نحو عودة السياسة. وكان نفي السياسة وبغضها أجد السمات الإيديولوجية والممارساتية الحاكمة لدولة يوليو. فقد كانت بنظر الضباط فساداً للحياة العامة وتشتيتاً لجهود الشعب ومسيرته، كما لوحدته وتلاحمه بتفرّقه على الأحزاب وصراعاتها. وكان العداء مع السياسة يتجاوز مجرد العداء مع الديمقراطية التمثيلية، فهو يمتد فكرياً ومادياً بشكل أعمق. فأولاً، الشعب موحد بنظر أغلب قادة هذه الدولة الجديدة، وثانياً، هو القائد ولكنه لم يكن مؤهلاً بعد لقيادة نفسه، أو للسماح له بكامل الحرية بسبب تركة الاستعمار وفساد القصر، والأحزاب. وثالثاً، كان هناك أيضاً كره عميق للسياسة كصراع على الموارد والتمثيل وكتجسيد للصراع الطبقي. وقد أكد العديد من الضباط الأحرار كتابةً كرههم الشديد للصراع الطبقي، وما يحمله من دلالات سيئة وخطيرة على "تماسك المجتمع المصري".
وكان اكتمالُ سيادة الدولة المصرية حلماً قديماً وسابقاً على ثورة 1952، تجسد في محاولات الاستقلال والإدارة الكاملة لأجهزة الدولة المختلفة والثروة والموارد وتوزيعها. ومصر قبل 1952 لم تكن بأي حال جنة ديمقراطية، بل كانت دولة بوليسية عميقة وشديدة القمع. ولكن انقسامَ الحكم بين القصر والأحزاب والاستعمار، وما يمثله كل طرف من قوى اجتماعية، ككبار الملاك والأفندية ورجال الدولة، سمح بوجود السياسة، في ظل الصراعات بين مكونات هذه التشكيلة الاجتماعية، ونظراً لعدم تماسك السيادة بالكلية. وكان نمط الإنتاج يسعى لتطوير نفسه من مركزية الأراضي الزراعية إلى التصنيع، ولم تكن الدولة بعد محتكرة لأدوات الإنتاج بالكلية.
نجح عبد الناصر في تحقيق سيادة الدولة، وملأ الفضاء العام بحضوره كزعيم، وضرب كل القوى السياسة ونفى السياسة من المجتمع، وأغلق المجال العام باستثناء حالات استدعاء الجماهير لدعمه. وأمم السياسة وخلق كيانات ممثلة عن بعض القطاعات الاجتماعية ولكن تحت مظلته. فأنشأ الاتحاد العام للعمال، واشترط أن تكون قيادات النقابات جزءاً رئيسيّاً من الاتحاد الاشتراكي. وكان لهذا الأخير، حينما أنشئ في الستينات الفائتة، غرض تمثيلي، أي أن يستوعب العمل السياسي كله بداخله. والغرض الثاني كان أمنياً محضاً، غايته خلق كيان اجتماعي وسياسي لموازنة الجيش، وظهير لصراع عبد الناصر مع عبد الحكيم عامر، ولمزيد من أحكام سيطرته على المجتمع وتمثيله.
وبالفعل تشكلت شريحة عريضة جديدة من الطبقة الوسطى بفضل توسيع الجهاز البيروقراطي والقطاع العام، من خلال محاولتي التأميم الأولى في الخمسينات والثانية في أول الستينات.
لكن "دولة يوليو" تلك شهدت العديد من التحولات على مستوى الخطاب والبنية والأهداف والصراع الإقليمي وموقعها من الصراع العالمي.
أبرز تلك التحولات تخصُّ توجهات الدولة الاجتماعية وشبكة علاقتها بالمجتمع وإدارتها للموارد. وهناك اعتقادٌ سائد بأن دولة يوليو ومشروع عبد الناصر تحطما من خلال سياسات السادات. ولكن مأزق دولة يوليو كان كامناً فيها منذ اليوم الأول لتشكيلها، ثم انفجر تماماً وجنح يميناً بالكلية مع هزيمة 1967.
نجح عبد الناصر في تحقيق سيادة الدولة، وملأ الفضاء بحضوره كزعيم، وضرب كل القوى السياسية، ونفى السياسة من المجتمع، وأغلق المجال العام باستثناء حالات استدعاء الجماهير لدعمه. وهو قام بتأميم السياسة، وخلق كيانات ممثلة عن بعض القطاعات الاجتماعية ولكن تحت مظلته.
يمكن قراءة أولى تحولات دولة يوليو في مطلع الستينات. حين انفجر الصراع داخل أجنحة الدولة وأجهزتها المختلفة. وتحول الأمر من محاولة تأسيس حكم شمولي ناجح إلى تشرذم الأجهزة. كما طغت النزعة الأمنية على حساب التوجه الاجتماعي. وفشل عبد الناصر في تطوير الصناعة المصرية وفي التحالف مع الرأسمالية الوطنية فقام بموجة التأميم الثانية. وبحلول 1965 كان من الواضح أن هذا المشروع قد انفجر من داخله. وحاول عبد الناصر العودة لطريقة الحكم القديمة، فأعاد منح حقيبة وزارة الداخلية لرئيس الوزراء، وجاء بصديقه زكريا محي الدين، المؤسس للأجهزة الأمنية الجديدة التي تشكلت مع 1952. لكنه لم يستطع ضبط الأجهزة التي خلقها بنفسه وانفلتت صراعتها بالكامل.ثم أنه كانت قد تشكلت طبقات طفيلية حول القطاع العام والأجهزة الأمنية ونجحت في التشبيك بين بعضها البعض، ما أدى إلى خلق سوق سوداءَ كبيرة حاول زكريا محي الدين وعبد الناصر مواجهتها ولكنهما فشلا. فهذه الشبكات تكونت حول الأجهزة الأمنية نفسها ومن خلالها وبالتنسيق مع أفراد بداخلها. وكان الحل لمواجهة الأزمة هو فرض ضرائب على الاستهلاك. وهذا كان ينمُّ عن خلل وعدم قدرة الدولة في الوصول إلى الثروات المخزنة. وبالتالي كان عليها أن تضرب عموم الجمهور لسد العجز وضبط جانب من السوق. وليس صدفة أن يكون عام 1965 هو نفسه عام انتفاضة "كمشيش" في الريف المصري. وهي كانت تمرداً للفلاحين على بقايا الإقطاع، حيث ظلت عائلة الفقي الإقطاعية مسيطرة على أغلب أراضيها في تلك الناحية.
"كمشيش" كواقعة كاشفة للعطب
حاول كل من صلاح الدين حسين وزوجته شهندة مقلد مواجهة عائلة الفقي. ولكن هذه الأخيرة كانت قد نجحت في إقامة شبكة من العلاقات تربطها بالعمد ورجال الداخلية ثم رجال الاتحاد الاشتراكي لاحقاً. ومن خلال هذه الشبكة من رجال الأمن والسياسة والوجهاء استمرت العائلة كإقطاعية في كمشيش. وقامت المباحث العامة باعتقال صلاح الدين في الفترة من / نوفمبر 1964 إلىي فبراير 1965 بتهمة الشيوعية. ثم في سبتمبر 1965 بتهمة أنه إسلامي. انكشف أمر كمشيش في مارس 1966 أثناء إحدى زيارات عبد الناصر الميدانية للمنوفية. فقام المتظاهرون بالهتاف " ثورة كمشيش تحي الثورة الأم". ثم هرعت شهندة مقلد إلى اختراق موكب عبد الناصر ومحاولة تسليمه عريضة تصف حالة المحلة وغضب الفلاحين فيها. أمر عبد الناصر بعد ذلك بفتح تحقيق حول كمشيش. في البداية أكد الاتحاد الاشتراكي والداخلية أن الأمر قلاقل تثيرها عناصر شيوعية. إلا أنه بعد عدة أسابيع، قتل صلاح الدين وانفجرت القضية مرة أخرى، لتصبح ليس فقط قضية مصرية، بل قضية عالمية استرعت انتباه تشي جيفارا وزيارته لمصر، وخطاب من فيدل كاستروا وزيارة من جان بول سارتر.
____________
من دفاتر السفير العربي
كيف تشتغل الدولة المصرية؟
____________
كشفت قضية كمشيش فشل النظام الناصري في أهم مشاريعه: القضاء على الإقطاع وهيمنته على الفلاحين والريف المصري. وكان التواطؤ بين العناصر المختلفة شديد الفجاجة. وبعد وفاة عبد الناصرقاموا بالتهجم عليه. فالسادات الذي وصلته التقارير حول واقعة كمشيش، وكمال الشاذلي الذي كان ممثل الاتحاد الاشتراكي في ذلك الوقت بالمنوفية، والذي سيصبح أهم رجال الحكم في عهد مبارك، ومعهما رجال أمن كبار مثل عبد الحليم موسى الذي سيصبح وزيراً للداخلية، وحسن طلعت الذي سيصبح مديراً لجهاز أمن الدولة، جميعهم كانوا منخرطين في التواطؤ في قضية كمشيش، وإخفاء أبعادها الحقيقية عن عبد الناصر حتى تفجرت الأزمة . أخذ عبد الناصر الأمر على عاتقه. كذلك أثار الحادث غضب عبد الحكيم عامر وتخوفه مما يحدث بين الداخلية والاتحاد الاشتراكي من وراء ظهره، وخوفه من فقدان هيمنة الجيش في مواجهة هذا التحالف بين بقايا الإقطاع ورجال الداخلية والاتحاد الاشتراكي. واتفق عبد الناصر وعامر على إنشاء لجنة للقضاء على الإقطاع. وتسلمت اللجنة بعد أسابيع من الحادث مئات التظلمات والعرائض من قرى مختلفة تشير إلى أن الوضع في عموم الريف المصري لا يختلف كثيراً عن كمشيش. أوضحت تحقيقات اللجنة أن 45 في المئة من الفلاحين مازالوا لا يمتلكون أرضاً زراعية. وأن 95 في المئة ممن يمتلكون قطعَ أرض زراعية لا تتجاوز مساحة أراضيهم خمسة أفدنة. وأشارت اللجنة إلى نمو القوة السياسية للبرجوازية الزراعية وسيطرتها على الريف. وانتهت اللجنة بالقضاء على 220 إقطاعي ووضع أكثر من 200 ألف فدان تحت الحراسة وطرد المئات من العمد والمشايخ.
المهم في مثال كشميش هو كيف قامت عناصر الأجهزة الأمنية المختلفة والقيادات السياسية بحجب الرؤية عن تلك الأجهزة نفسها، وتمكنت من إفشال مشاريع الدولة، وإطلاق يد الأمن على المجتمع ضد المشروع الناصري نفسه.
ولكن أشرار المشهد في مسرح 1965 سيكونون هم أبطال الحكم مباشرة في عهد السادات ومبارك. فالسادات نفسه الذي كان متورطاً في التغطية السياسية على عائلة الفقي سيصير رئيس الجمهورية، وعبد الحليم موسى أحد أهم ضباط المباحث المتورطين في التعاون مع الفقي سيصبح وزيراً للداخلية، وكمال الشاذلي الذي كان ممثل الاتحاد الاشتراكي في هذا الوقت، سيصبح وزير الدولة لشؤون مجلسي الشعب والشورى، وأحد أهم أركان الحزب الوطني في عهد مبارك.
أثر هزيمة 1967
كان التوجه اليميني والمحافظ لدولة ما بعد الاستعمار في مصر، بل والأقرب للولايات المتحدة الأمريكية، قوياً داخل مجلس قيادة الثورة، كما كان هناك عداءٌ واضحٌ للأفكار التقدمية، واليسارية. ويستثنى من ذلك يوسف صديق وخالد محي الدين، وكلاهما تم تهميشهما منذ البداية. ولكن سطوة عبد الناصر وقدرته على بلورة نفسه كزعيم فرضت بعض المفردات والتوجهات التقدمية على هذه الدولة وإن كانت في أغلبها شعبوية. فكانت مقولات مثل "العدالة الاجتماعية"، و"مواجهة الاستعمار" حقيقية، والحرب ضد إسرائيل حقيقية، ولم تكن مجرد رطانات سياسية. ولكن ما تجسد منها حقيقة هو توحش الأجهزة الأمنية، واستخدامها هذه المفردات كترسانة لغوية وفكرية في ممارساتها للقمع والإخضاع ومن أجل الهيمنة السياسية.
حدث قرية "كشميش" (1965) بالغ الأهمية لأنه يقدم مثالاً عن كيف قامت عناصر الأجهزة الأمنية المختلفة، والقيادات السياسية بحجب الرؤية عن تلك الأجهزة نفسها، وتمكنت من إفشال مشاريع الدولة، وإطلاق يد الأمن على المجتمع ضد المشروع الناصري نفسه. 
ثم جاءت الهزيمة في 1967. أيقنت هذه الدولة أن هناك أيضاً حدوداً للأحلام. خضع عبد الناصر لممالك الخليج وتحديداً السعودية. وبدأ بالعودة تدريجياً للدولة البوليسية في الحكم أكثر من اعتماده على الدولة الأمنية، وبدأ يعيد الحديث عن الديمقراطية كمناورة، ووعد بحل دولة المخابرات التي أحال هزيمة 1967 لتوحشها وانحرافها عن دورها.
بدأ عهد دولة ما بعد الاستقلال بمقولة أن الشعب قد انحرف عن طريقه ومسيرته، وأن الجيش قام بدوره لوضعه على الطريق الصحيح. وانتهى بأن الأجهزة الأمنية والدولة هما من انحرفا عن مسيرتهما ودورهما. ولكن وفي كل الأحوال سيظل الشعب بعيداً عن المعادلة حتى "ثورة يناير" 2011.

تعليق الفيس بوك