لماذا فشل ترامپ في الانقلاب على الانتخابات..!!!

الخميس 07 يناير 2021 - 11:32 صباحاً
لماذا فشل ترامپ في الانقلاب على الانتخابات؟
 
تابع العالم بشغف كبير الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحده الأمريكية والتي أسفرت بعد محطة 3 نوفمبر و14 دجنبر عن فوز جون بايدن بأغلبية مريحة. ورغم الفارق الكبير في عدد الأصوات بين المرشحَين إلا أن دونالد ترامپ المنهزم ظل متنكرا لنتائج الفرز وغير معترف بها، بل غَدَا يحرض أنصاره على التظاهر والاحتجاج ويتوعد بعدم تخليه عن منصب الرئاسة. عربدة ستبلغ مداها بعد دعوة ترامپ أنصاره إلى الزحف والاحتجاج لمنع التصديق النهائي على فوز بايدن. ”عاصفة الكونغرس“ كما سميتها على غرار ”عاصفة الصحراء“، اقتحم خلالها أنصار ترامپ قاعات مقر الكونغرس وعبثوا بممتلكاتها بعدما أرهبوا أعضاء مجلس الشيوخ وعطلوا جلسة التصديق  على فوز جون بايدن بالرئاسة. صور ومشاهد صدمت ساسة الولايات المتحدة الأمريكية وإعلامييها إلى درجة أن أحدهم قال ” عجزت أن أشرح لطفلي ما يشاهده على التلفاز، ولا أجد ما أبرر به ما يحدث من المس برمزية البرلمان والكونغرس“.
 لكن ما أثار ويثير انتباهنا هو السرعة التي تم بها تطويق الأزمة،وتجاوز لحظة هذا الانقلاب الفاشل. وهنا نتساءل ما هي الأسباب التي حصنت الديمقراطية الأمريكية من عبث الانقلاب والسطو على السلطة بالعنف؟ ألم يكن المتضرر الأول هو الرئيس الحالي ترامپ الذي يتمتع بصلاحيات واسعة في دولة تتبنى نظاما رئاسيا؟ ألم تكن كل إمكانات الدولة رهن إشارة ترامپ لتعزيز موقفه وبقائه في السلطة؟ ثم لماذا عجز وفشل الرئيس مرتين، الأولى بخصوص الطعن في نتائج الفرز قضائيا،  والثانية بخصوص تنفيذ الانقلاب  ميدانيا؟ والجواب يمكن إجماله في النقاط التالية:
       1- النقطة الأولى تكمن في أن النظام القضائي الأميركي   يضم محاكم دستورية وأخرى تشربعية، فالأولى وهي المعنية مباشرة بالانتخابات تضم المحكمة العليا، ومحاكم الاستئناف ومحاكم المقاطعات. وهذا النظام القضائي يوفر كل الإمكانيات والأدوات لضمان تحقيق العدالة عبر أراضي الدولة، وفي الوقت نفسه يمنح الولايات قدرا كبيرا من الاستقلال في اتخاذ القرارات وتطبيقها قضائيا وإداريا بعيدا عن وصاية الإدارة المركزية. لهذا السبب عجز ترامپ وفريقه القانوني في اختراق مؤسسة القضاء والطعن في النتائج.
       2- النقطة الثانية وتتمثل في عقيدة الجيش وهي عقيدة وطنية متعالية عن المؤسسات بما فيها مؤسسة الرئاسة، بحيث يشكل البنتاغون أحد ركائز الدولة العميقة. فبعد دخول ترامپ البيت الأبيض حاول جاهدا تغيير عقيدة الجيش فعمد إلى إغراق إدارته بكبار العسكريين المتقاعدين،  وفي سياق بحثه عن شخصية الجنرال الذاعنة والمستسلمة، غَيَّرَ خمس مرات وزير الدفاع خلال أربع سنوات من ولايته . ثم كان يوقع على بعض القرارات الكبرى بقاعة الأبطال بالبانتاغون مثل قانون الهجرة حتى يضفي عليها صبغة تأييد الجيش له. ناهيك عن تمويل الجدار الفاصل مع المكسيك ب 2,5 مليار دولار من الميزانية العسكرية. كما أطلق عفوه عن كل مرتكبي الانتهاكات في الحروب، وكان ينادي على الجنرالات بعبارة ”جنرالاتي“. وغيرها من التصرفات التي كان يطمح من خلالها أن يعيد غرس عقيد جديدة داخل الجيش بحيث تستحيل هذه المؤسسة طيعة في يد الرئيس. غير أن ترامپ أصيب بالصدمة مع اندلاع  احتجاجات مقتل جورج فلويد حين طلب من الجيش بالتدخل فرفض. إن حيادية الجيش وثباته على عقيدة خدمة الوطن والمواطنين لا خدمة الأشخاص والأحزاب كان عاملا أساسيا في ترك المعركة سياسية محضة تحسمها صناديق الاقتراع وليس الدبابات في الشوارع.
       3- النقطة الثالثة وتتحدد في وجود إعلام حر منفتح ومتنوع يصعب تسخيره لصناعة خطاب رسمي يخدم شخصا أو حزبا، مما يجعل رئيس الدولة غير قادر على التحكم في السلطة الرابعة او توجيهها او ابتزازها. ذلك أن المؤسسات الإعلامية لا ينحصر دورها في إستمالة الرأي العام وتوجيهه، بل إنها تعد كيانات لها دور فعال وقوي في السياسة الأمريكية خاصة والدولية عامة. ففي الولايات المتحدة يؤدي الإعلام دور السيد في الإنتخابات الرئاسية، مع الإشارة إلى أن الشركات التجارية والصناعية والمؤسسات الخاصة والعامة، تشكل في الحقيقة مركز الثقل الفعلي من خلال امتلاكها  غالبية الأسهم لكبريات المؤسسات الإعلامية، وتَحَكُّمِها في أدوات عملها وشبكات التوزيع والتسويق التابعة لها.
وبهذا نستخلص أن فشل الانقلاب ترامپي على الانتخابات مرده إلى ثلاث أمور أساسية
     - الاستقلال الحقيقي للقضاء الذي يستند إلى دستور يوزع السلطات ويحصنها بشكل صارم.
     - الحياد التام لمؤسسة الجيش في حسم الخلافات السياسية.
    - استعصاء السيطرة او التحكم في المؤسسات الإعلامية الضخمة والتي تدير العملية الانتخابية من ألفها إلى يائها.
ونحن في دولنا العربية عندما ننظر إلى توابل طبخة الانقلاب سنجد أن أهم مكوناتها جيش في خدمة الحاكم، وإعلام مضلل ومطبل للحاكم،ثم قضاء يقضي على كل معارضي الحاكم. لهذا نجح الانقلاب في مصر وليبيا واليمن وأجهضت الثورات في سوريا والمغرب والبحرين والأردن والجزائر.
وبهذا يكون أبلغ درس مما حدث من فشل في الانقلاب ترامپي، هو أن غياب دستور يضمن استقلالا حقيقيا للقضاء، ويُؤَمِّنُ حيادا تاما لمؤسسة الجيش، ويقر  بتحرير قطب الإعلام، سيجعل الحديث عن الديمقراطية مجرد صرخة في واد، ديمقراطية يمكن الانقلاب عليها كلما كانت نتائجها لا تُرضي الحاكم المفدى. وعليه فإن فالمعركة الحقيقية لا ينبغي أن تتمركز فقط على مطلب الديمقراطية، بل عليها أن تتجاوزه إلى مطلب تأمين الشروط الضامنة لما قبل وأثناء وبعد الديمقراطية، ذلك أن الغرض من الديمقراطية في نهاية المطاف هو تمكين الشعب من ترجمة إرادته عبر ممثلين حقيقيين ومؤسسات حقيقية هدفها خدمة المواطن وتنمية الوطن، عوض الدوران في فلك الحاكم وتنمية ثرواته.
 
فؤاد هراجة
كاتب وباحث في الفلسفة السياسية والأخلاق

تعليق الفيس بوك