مقالات حرية بوست

فؤاد هراجة: حكومة جحا: من تدبير الأزمة إلى أزمة التدبير

حكومة جحا:
من تدبير الأزمة إلى أزمة التدبير

ذهب رجل الى جحا وقال له :
إنى أعيش مع زوجتى وأمى وحماتى وستة أطفال فى حجرة واحدة، فماذا أفعل لتتحسن حياتى؟ قال له جحا : اشترى حماراً واجعله يعيش معكم فى نفس الغرفة، وتعال بعد يومين! فجاءه الرجل بعد يومين وقال له : الحال يسوء يا جحا، فقال له جحا : اشترى خروفاً واجعله معكم فى الغرفة وتعال بعد يومين! فجاءه الرجل بعد يومين وقال له : الحال يزداد سوءا يا جحا، فقال جحا : اشترى دجاجاً واجعله معكم
فى الغرفة وتعال بعد يومين! فجاءه الرجل بعد يومين
وقال له : لقد أوشكت على الانتحار، فقال له جحا : اذهب للسوق وبِع حمارك وتعال بعد يومين! فجاءه الرجل بعد يومين وقال له : الحال تحسن قليلا، فقال له جحا : اذهب للسوق وبِع الخروف وتعال بعد يومين! فجاءه الرجل بعد يومين وقال له : الحال أفضل كثيرا! فقال له جحا : اذهب للسوق وبِع الدجاج وتعال بعد يومين! فجاءه الرجل بعد يومين وقال له : لقد أصبحت فى أفضل حال!
هكذا تدار كل الأزمات فى الوطن العربى، يهبطون بالشعوب إلى دركات القهر والفقر والظلم والتهميش…، حتى إذا استيقظ شعب وأدرك ما هو فيه من انحطاط وقهقرى، عمدت السلطات الحاكمة إلى الهُوِيِّ به في دركات أسفل، ثم بدأت تَمُنُّ عليه أنها تفعل كل ما في وسعها لتصعد به إلى دركة القهر الأولى التي كان فيها، فيسعد عامة الناس بالتقدم المهول الذي تحقق، ويفتخرون بعبقرية السلطة الحاكمة وانجازاتها المبجلة! وعندما يتكرر الدرس، تفهم الأجيال أن مطلبهم المسموح به، هو الحفاظ على الدركة التي هم فيها، حتى لا يلتصقون بالقعر او ما تحت القعر.
وهكذا ففي كل مرحلة يستفيق فيها الوعي والضمير الجمعي، تلجأ السلطة الحاكمة إلى اختلاق مشكلة جديدة، تُجْهِزُ وتمحق وتقضي وتُذهِب بكل المكتسبات السابقة، وتدفع أبواقها من العياشة لِتُلَقِّنَ الناس وِردًا مفاده: «احمدوا الله اذا رجعتم للحالة القديمة». وعليه تجد الناس يترحمون على كل الدكتاتوريين الذين عتوا في الأرض فسادا، لأن الذين جاؤوا من بعدهم أضافوا إلى الفساد القائم إما الفوضى أو التأزيم، وأدخلوا الناس في التخيير بين الأسوأ أو الأسوأ منه، أما السيئ فلم يعد موجودا في ساسة الاستبداد عندنا.
إن الفرق بيننا وبين الرجل الذي استشار جحا، أن الرجل كان هو من اشترى الحمار والخروف والدجاج وأدخلها بيته بإرادته، وامتلك نفس الإرادة لإخراجها وبيعها، أما نحن فقد فرض علينا الاستخراب(الاستعمار) ضباعه وثعالبه وذئابه وأفاعيه وعقاربه وخفافيشه، ومكنهم من دواليب السلطة وكلفهم بمهمة التضييق والخنق ودفع الناس إلى انتحار الضمير والكرامة، حتى يتمكن من استنزاف ثروات البلاد، واستعباد شرفاء البلاد. فمتى فكرنا ورغِبنا وهَمَمْنا وأردنا وعزمنا وتوكلنا على الله لإخراج من باعونا وخربوا البلاد والعباد سنجد سَعَةً ومُرَاغَماً في بلداننا وستتسع ارضها وخيراتها وثرواتها للجميع وسنعلم حينها كم كنا أكثر غباء ليس من صاحب جحا، بل من حمار جحا عندما كنا نتصارع ونحن في الدركات هل نصعد إلى الأعلى والسطح باسم الدين، أو باسم ماركس، او باسم الحقوق الكونية، او باسم العلمانية…! إننا ما دمنا في القعر مشتتين، ولا نثق في بعضنا البعض، فلن نحمل على اكتافنا من يصعد إلى الأعلى ليمدنا بسلم النجاة، وحتما سنبقى في هذا القعر، ما دمنا لم نَعِ أن نجاتنا في تأجيل صراعاتنا إلى ما بعد الصعود إلى السطح!
أفلاتعقلون!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق