مقالات حرية بوست

تصريحات ماكرون العنصرية …من الذي يعيش في “أزمة”؟

مقال الحسن محمد عثمان

تصريحات ماكرون العنصرية …من الذي يعيش في “أزمة”؟

مقال الحسن محمد عثمان

دأب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على التحدث عن الإسلام  بصورة “غير محترمة” فهو دائما يتحدث عن الحجاب ويطالب بضرورة سن قوانين تمنع ارتدائه في الأماكن العامة  ويعد ماكرون دائما إلى التعبير عن “الإرهاب” بوصفه “إسلاميا” فيردد عبارة “الإرهاب الإسلامي” و”التطرف الإسلامي” في أغلب خطاباته وفي هذا الوصف جهل واضح ؛ لأن “الإرهاب”  لا علاقة له بدين أو معتقد وليس من المقبول أن يستخدم ماكرون هذا الوصف الذي ينطوي على إساءة لديانة يفترض أن معتنقيها هم جزء من المجتمع الفرنسي ،وفي هذه الإساءة تناقض مع معالم “العلمانية” التي تتبناها فرنسا فهذا التصريح يؤثر على الحياد الذي يجب أن تتمتع به الدولة العلمانية إزاء مختلف الأديان ،تكمن خطورة هذه التصريحات في كونها داعمة لمسار بدأت معالمه تظهر بشكل واضح في المشهد السياسي والاجتماعي في أوروبا وهو مسار “اليمين المتطرف” الذي يستند  برنامجه  بدرجة أولى على كراهية المسلمين و المهاجرين من أصول عربية وإفريقية ،في فرنسا تعد المرشحة السابقة للرئاسة “مارين لوبان” زعيمة لهذا التيار “العنصري” ،رغم أن النظام العلماني يجرم الإساءة للمعتقدات والأديان إلا ن “علمانية فرنسا الصلبة” لم تمنع مارين لوبان وأنصارها اليمينيين المتطرفين من نشر خطابهم العنصري في الفضاء الاجتماعي و السياسي و الإعلامي الفرنسي . ماكرون الذي ما فتئ ينتقد “المسلمين” متهما إياهم بالعمل على تعزيز ما وصفها ب”الانعزالية الإسلامية” و “إنشاء كيان مواز  للدولة” لم يتقبل فكرة أن يكشف صحفي عن لقاء جمعه بأحد مسؤولي ميليشيا حزب الله اللبناني في زيارته الأخيرة لبيروت وفي ذات التوقيت لم يظهر ماكرون رفضا أو انتقادا للرسوم المسيئة للرسول محمد -صلى الله عليه وسلم-  التي نشرتها مجددا صحيفة شارلي إبدو وقال ماكرون في حوار مع وسائل إعلام فرنسية:”ليس من شأن رئيس الجمهورية على الإطلاق الحكم على الاختيارات التحريرية لصحفي أو غرفة أخبار، إطلاقا لأن لدينا حرية صحافة”،وهنا يظهر تناقض الرجل فهو قام بتوبيخ الصحفي الذي نشر خبر لقائه مع مسؤول حزب الله ولم يصمت ؛لأن الصحفي يمارس عمله ،لكنه لم يأبه بالعمل “المستفز” الذي قامت به صحيفة شارلي إبدو وأشار إلى “حرية التعبير” ليستخدمها كمبرر لفعل الصحيفة متجاهلا الحكم الذي صدر من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ونص على أن الإساءة للرسول ليست حرية تعبير ،تساؤلات كثيرة طرحت عن دافع ماكرون من استخدام هذا الأسلوب إذ أشار البعض إلى الوضع الداخلي في فرنسا و”الأزمة” التي يعاني منها ماكرون وتراجع شعبيته بسبب إجراءات كثيرة  ، يأتي قانون العمل في مقدمتها وهو الذي أدى لبروز حركة “السترات الصفراء” التي طالبت باستقالة ماكرون ونظمت احتجاجات حاشدة ،وقال آخرون إن ماكرون يحاول استمالة أصوات تيار “يمين الوسط” ومغازلة لليمين الفرنسي وهو ما تؤكده خطوات ماكرون في تعيين رئيس وزراء محسوب على تيار اليمين ،أزمة ماكرون دفعته لاختلاق هاجس جديد يخيف به الفرنسيين ويوهمهم بخطورته وهو خطاب يتواءم مع مواقف اليمين المتطرف الذي يعادي المهاجرين والمسلمين ،تكمن خطورة هذه التصريحات في كونها مبررا يدفع المتطرفين لمواصلة ممارساتهم ضد الأقليات الدينية والمواطنين ذوي الأصول العربية والإفريقية ،ماكرون يواجه أزمات متعددة أبرزها هزيمة حزبه “الجمهورية إلى الأمام” في الانتخابات البلدية الأخيرة مقابل صعود لتيارات اليسار ممثلة في حزب الخضر ، وتشير استطلاعات الرأي إلى تراجع شعبية ماكرون بينما يتمتع رئيس الوزراء السابق إدوارد فيليب بشعبية بدأت في الزيادة بعد تعامله الجيد مع أزمة جائحة كورونا ؛لذا أرجع محللون تصريحات ماكرون إلى الصراع الانتخابي القادم فهو يريد أن يضمن لنفسه ولاية ثانية ويقطع الطريق أمام منافسته زعيمة الجبهة الوطنية اليمينية مارين لوبان ،وربط آخرون بين تصريحاته والخلاف التركي الفرنسي الدائم حول قضايا كثيرة من بينها القضية السورية وأزمة ليبيا وأزمة شرق المتوسط ،إذ وصل الخلاف لمستوى سيئ وملاسنات حادة بين المسؤولين في كلا الدولتين،قوبلت تصريحات ماكرون بصمت من المسؤولين العرب فهم لم يظهروا رفضا لها و آثروا الصمت عن الخوض فيها وهم أنفسهم هرعوا برفقة زعماء آخرين من بينهم رئيس الوزراء التركي آنذاك أحمد داوود أوغلو لتلك المسيرة التي نظمت في يناير 2015 تضامنا مع صحيفة “شارلي إبدو” المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم بعد الهجوم الذي استهدفها وأدى لمقتل 12 شخصا ، فاجتمعوا في تلك المسيرة مع رئيس وزراء الكيان الصهيوني مدعين أنهم يرفضون العنف و التطرف رغم كون بعضهم شركاء في جرائم لا تقل سوءا عن جرائم التنظيمات المتطرفة ،الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هو الزعيم المسلم الوحيد الذي رد على تصريحات ماكرون الأخيرة عن الإسلام واصفا إياها ب”قلة الأدب” و”الوقاحة” ،فهل يحاول ماكرون إقحام الإسلام في صراعه السياسي مع تركيا ؟ ،تصاعد موجة الخطاب اليميني في فرنسا أدى لتكرار حوادث إرهابية تستهدف المساجد والمراكز الإسلامية وهي تتعرض أيضا  لتضييق من السلطات ويسعى ماكرون لفرض قوانين جديدة تؤثر عملها ويمكن أن تؤدي مستقبلا إلى إغلاقها بحجة “الإرهاب” وهو ما تخشاه الجالية المسلمة في فرنسا ، إضافة إلى حملات عنصرية ضد البارزين من الجالية المسلمة في المجال السياسي و الاجتماعي ، إذ واجهت نائبة رئيس اتحاد الطلاب في جامعة السوربون لحملة عنصرية من اليمين المتطرف ، رسومات مسيئة لمريم بوجيتو في صحيفة شارلي إبدو بسبب حجابها و تعامل عنصري معها في البرلمان الفرنسي من قبل نواب ينتمون لليمين المتطرف ومثل هذه التصريحات التي يطلقها ماكرون تدعم هذا الخط العنصري . قبل أن تكتمل فرحة ماكرون بخطابه العنصري عن الإسلام حدث ما لم يكن يتوقعه الرئيس الفرنسي إذ ماكرون استقبل قبل أيام آخر رهينة فرنسية في مالي “صوفي بريتونان” التي أسلمت واصبح اسمها “مريم” وكان من المستغرب امتناع ماكرون عن الإدلاء بتصريحات صحفية عقب استقباله لها فهو لن يتمكن من عرض خطابه عن “أزمة الإسلام” في وجود “مريم بريتونان” ،  معضلة  الخطاب اليميني المتطرف الذي يكرس كراهية المسلمين واتهامهم بأنهم “قتلة” تعد نوعا من الهروب إلى الأمام و تناسي التاريخ غير البعيد الذي شهد مجازر وجرائم بشعة ارتكبها المستعمرون الأوروبيون في إفريقيا و آسيا وأستراليا وأمريكا الجنوبية، قتل مئات الآلاف بدم بارد ولم يتهم مرتكبو هذه الجرائم ب”الإرهاب” ولم يوصف الدين المسيحي بأنه “إرهابي” ،ماكرون يدعم القتلة في مصر وليبيا ويتغاضى عن جرائمهم وانتهاكاتهم لأجل تحقيق مكسب سياسي لكنه في ذات التوقيت يخلق أزمة مع فئة مقدرة من المجتمع الفرنسي في غياب مسوغ ومبرر منطقي لخطابه الذي يعزز الكراهية والعنصرية .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى