مقالات حرية بوست

الحرية والحب والوفاء والسجان

فؤاد هراجة

*الحرية والحب والوفاء والسجان*

على وقع موسيقى هادئة تتراقص وتتسابق أنغامها إلى مسامعي، جلست أتأمل هذه الكلمات من أين أبدؤها وإلى أين يمكن أن تسير بي. استحضرت أن غيري حاول عبثا إقناع الناس بتعريفات لهذه المصطلحات عن طريق الحد أو الرسم أو التعريف القاموسي أو الاشتراطي أو الإجرائي أو الجامع أو المانع، فقررت عدم تكرار التجربة لأن من جَرَّبَ المجَرَّب فعقله مُخَرَّب! فانقدح في خاطري، لِمَ لا أُجْرِي على هذه الألفاظ تمرين ”الكلمة الدخيلة“(le mot intrus) الذي كنا ننجزه أطفالا، لعل ما تبقى من حسي الطفولي يوصلني إلى شيء يذكر؟ وبكل تلقائية قفز اختياري إلى إزالة كلمة ”سجان“ لأنها غريبة عن عالم الحرية والحب والوفاء. ظننت في الوهلة الأولى أنني انجزت التمرين، أو بالأحرى هو من انجز نفسه بنفسه لسهولته وتضمنه الإجابة في ذاته. لكن الحس الفلسفي النقدي الذي يسكنني وَشَى لي أن البداهة قد خدعتني وأنها تنتشي بانتصارها على عقلي. فقلت كيف حدث ذلك؟ فلما عاودت الكَرَّةَ وجدت الأمر صحيحا، وأن ثمة علاقة وطيدة بين السجان وهذه المصطلحات، وأنها ليست دخيلة عليها بل متداخلة معها وتطاردها من داخل حقولها:
– فالسجان عندما يسجنك يسلبك حريتك ويجبرك على الوجود في المكان الذي يريد لا في المكان الذي تريد، وفي المساحة التي يشترط لا التي تختار، وفي الزمن الذي يحدده لا الذي تحدده…، فيفرض عليك بذلك حياة جديدة ومجتمعا جديدا، بعدما سرق حريتك في الإختيار، وحرية ذويك ومحبيك في اختيار العيش معك.
– أن السجان عندما يعتقل شخصا فهو يغيبه عمن يحب وكلما طالت مدة الحبس راهن السجان على هدم الحب او على الأقل طمسه وإخماد جدواه، ودفع المحبوب خارج الأسوار إلى الندم على حب لا جدوى ولا فائدة منه على مسرح الحياة… . كما أن المحبوب قد يكون رمزا أو حزبا أو جماعة أو عقيدة أو فكرة، فيستحيل حبه عند السجين إلى كراهية عندما يستسلم الى خدعة السجان، وعوض أن يَنقَمَ على سجانيه، تجده ينقم على قضيته التي أحبها وسُجِنَ من أجلها. وهذا حصل للعديد من المعتقلين الذين غيروا جلدهم تحت مسمى ”المراجعات“ فسرق السجان منهم كل رصيد الحب الذي دخلوا به وأعطاهم مقابله من الكراهية ما تنسيهم طعم ونشوة الحب.
– أن السجان عندما يسرق من المعتقل أو من أهله و ذويه وأصحابه أو من عقيدته وأفكاره رصيد الحب الذي بُنِيَ واكتُسِبَ لسنين مضت، فإنه يروم قطع حبل الوفاء الذي مكث الحب يغزله بكل متانة في طريق الظفر بالحرية. فالوفاء هو ذلك الحارس الأصيل المتسلح بالصبر الجميل والمرابط على ثغر الحرية والحب يقاوم كل أساليب السجان الرامية بكل خبث من جهة إلى تسفيه الحرية في ذهن السجين، وجعلها رديفا لمطالب الجسد دون مطالب الروح والعقل، ثم مقاومة محاولات السجان ابتذال قيمة الحب ودفع نزوات النفس إلى التمرد على هذا الوفاء الأصيل.
إن ثبات السجين وصموده وثبات أهله وصمودهم يُفْشِلُ كل أحكام السجان مهما طالت سنواته، فهو عندما يعاين لقاء السجين بزوجه وأبنائه وأهله في عناق حار يدرك لا محالة أن أصالة الحرية والحب والوفاء لا تموت بل تتقوى وتتجدد في الظروف العصيبة، وأن هذه القيم لا مكان لها ولا زمان لها، فدينها وفلسفتها مقاومة أضدادها من عبودية وكراهية وخذلان. إن أصالة هذه القيم في قلب ونفس المعتقل تؤكد وتبرهن أنه صاحب رسالة، وأن اقتناعه بها لا يتأثر بعوامل التعرية السجنية. والنتيجة أن السجان في النهاية وبعد طول مدة السجن ومع ثبات وصمود السجين يجد نفسه فاشلا ومكبلا بحبال أوهامه. فتكفي لحظة حب ووفاء عند اللقاء، وتكفي كلمة ثبات وصمود يقولها السجين بعد خروجه أن تبدد كل سنوات السجن وتجعلها هباء منثورا، وتجعل السجان يقلب كفيه على ما انفق في هذه السنوات وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أسجُنْهُ أبدا.
وبالعود على البدء انتبهت أن المقطع الموسيقي قد انتهى منذ مدة دون ان أشعر بوداعه، واستخلصت أن هذا التمرين وإن كان يبدو في ظاهره لغويا، فإنه في حقيقته تمرين إجرائي في حياة النضال والمجاهدة من أجل ترسيخ رسالة الكرامة والعدالة الحرية المصونة بقيمتي الحب والوفاء. ثم استنتج انه تمرين لا ينجح في إنجازه إلا من صدق مع ربه، وصدق مع نفسه، وصدق مع أفكاره، وصدق في معتقداتهم ومبادئه، وما بدَّل تبديلا. ثم خَلصت إلى أن الحرية والحب والوفاء لها مرادف واحد هو الإنسان المكتمل في إنسانيته الرافض أن يُسْرَقَ له شيء من هذه القيم في ذاته، فيصبح هو السجان سيان! دمتم ودام لكم الوفاء والحب على طريق الحرية المنشودة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى